أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

459

قهوة الإنشاء

ممدوح الماء بعد تلك الجوائز ، ونظرت إلى أهل الصلاة وعليهم في هذه الواقعة من الصبر دروع ، وقد استعدوا بسهام من الأدعية أطلقوها عن قسي الركوع : [ من الطويل ] مريّشة بالهدب من جفن ساهر * منصّلة أطرافها بدموع ونظرت إلى الريان من العلم وقد اشتدّ لفقد الماء ظماه ، وتبلد ذهنه حتى صار ما يعرف من أين الطريق إلى باب المياه ، ومشيت بحكم القضاء إلى الشهود فوجدت كلا منهم قد راجع سهاده وطلّق وسنه ، وتأملت أهل الساعات وقد صار عليهم كل يوم بسنه . ونزلت في ذلك الوقت من الساعات إلى الدرج في دقيقه ، فانتهيت إلى مجاز طريق الفوّار فوجدته كأن لم تكن له حقيقة . كم وردته وهو كأنّه سنان يطعن في صدر الظماء ، أو شجرة « 1 » كدنا نقول أنها طوبى لما ظهرت وأصلها ثابت وفروعها في السماء ، أو معترف بندى الماء وقد أفاض عليه عطاياه فيضا ، فرفع له لأجل « 2 » ذلك فوق قناته راية بيضا ، أو عمود وفاء أشارت الناس إليه بالأصابع ، أو ملك طالب السماء بودائع حتى كان إكليل الجوزاء له من جملة الودائع ، أو أبيض طائر علا حتى قلنا أنه يلتقط حبات النجوم الثواقب ، أو شجاع ذو همّة عالية يحاول ثأرا عند بعض الكواكب . فخفض لفقد الماء مناره ، وخفي بعد ما كان « أشهر من علم » ، وجذع أنفه وطالما ظهر وفي عرنينه شمم : [ من الخفيف ] لست أنسى الفوّار وهو ينادي * غيض مائي وعطّل الدهر حالي فتمنيت من لهيّى بأنّي * أشتري غيضه بروحي ومالي فلا واللّه ما كانت إلا أيسر مدة حتى رجع الماء إلى مجاريه وابتسم ثغر دمشق عن شنب الريّ ، بعد ما نشف ريقه في فيه . هذا وقد خمدت نار الحرب وقعدت بعد ما قامت على ساق وقدم ، وبطلت آلتها التي كان لها على تحريك الأوتار وجس العيدان نغم ، واعتقل الرمح بسجن السلم وعلى رأسه لواء الحرب معقود ، وهجعت مقل السيوف في أجفانها لما علمت أنّ الزيادة في الحد نقص في المحدود ، وفاضت غدران الرحمة على رياض الأمن فظهر لها من المسرة نبات حسن ، فالحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن .

--> ( 1 ) شجرة : تو ، ها ، قا : كشجرة . ( 2 ) لأجل : قا : بعد .